إسلاميات

ما زال أبي حيًّا

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

مقال بقلم: الدكتور محمود الهواري

عضو المكتب الفني لوكيل الأزهر

رزقني الله بطفل صغير، اسميته «صهيب» هكذا سمَّيته، والأسماء أرزاق.

جلست إلى جواره مرَّةً وهو نائم في وداعة ملائكيَّة، وجعلت أملأ عينيَّ منه، وأمسك كفَّه، وأغبطه على أنامله الصَّغيرة الَّتي لم تقترف إثمًا بعد، وقد غمرت قلبي سعادةٌ عجيبة وأنا أعيش معه هذه اللَّحظات.

وبينما أنا في هذا الشُّعور الأبويِّ الحاني إذ غلبني حنينٌ كبيرٌ ممزوج بحزنٍ دفينٍ، حنين كبير وشوق عظيم إلى أبي -رحمه الله- وحزن دفين على فراقِه لا يفارقني.

مرَّت سنوات على مفارقةِ أبي للحياة الدُّنيا إلي رحاب أوسع عند الله، وهذا ما نرجوه.

وترك من الدُّنيا كلَّ ما كان يعرفُه ويألفُه، ولكنَّه ما زال حيًّا معي في عقلي وقلبي وفي جنبات حياتي.

تجري في عقلي ذكراه، ويسكن في قلبي شوق كبير إليه، ويجري لساني بالشُّكر والعرفان والاحترام والتَّوقير لوجودِه في حياتي.

مرت سنوات على فراقِه، وما زلت أبكيه في كلِّ حين.

ما زال أبي حيًّا معي، وكأنَّ الموت لم يزره!

في كلِّ لقمة أقدِّمها لأولادي أرى سرورَهم فأراه مبتسمًا.

في كلِّ جلسة أسامرهم فيها أسمع ضحكهم فأراه ضاحكًا.

في كلِّ سلوك أحاول أن أتلمَّس خطواته فيه فأراه حكيمًا.

ما زال أبي حيًّا، وسيبقي ما دام قلبي ينبض بالحياة.

ووصيَّتي لكلِّ ولدٍ له والدٌ حانٍ ألَّا يفرِّط فيه، من قبل أن يأتيَ يوم يندم فيه على فواته، ويمنعه الموت منه، وتقف الأعمار والآجال حائلًا ومانًعا دونه؛ فيتمنَّي أن ينظر إلى وجهه فلا يستطيع!

ويتمنَّى أن يسمع صوته فلا يستطيع!

ويتمنَّي أن يكلِّمه فلا يستطيع!

ويتمنَّي أن يضمَّه فلا يستطيع!

نَعَمْ، الحياة مع الآباء والأمَّهات جنَّة ونعيم، ولكنَّ بعض الأبناء جاحدون.

كثير من الأبناء لا يرون الآباء والأمَّهات إلَّا في صورة الآمر النَّاهي الَّذي تجبُ طاعته بلا مناقشة.

كثير منهم لا يرون الآباء والأمَّهات إلَّا مستبدِّين.

كثير من الأبناء لا يرون الآباء والأمَّهات إلَّا ظالمين.

ولكنِّي أقول لهؤلاء جميعًا، احذروا الشُّعور بالحرمان فهو مؤلم.

أحبُّ أن أقول لكلِّ ولد ذكرًا كان أو أنثى اتَّقوا الله في أهليكم، ولا تحرموا أنفسكم من قرب والديكم، وحبِّهم، وبركاتهم، وتقلَّبوا في النَّعيم معهم.

ضاحكوهم، ناقشوهم، اشبعوا منهم قبل أن يفوتوكم.

وإذا كانت السُّنَّة قد علمتْنا أنَّ «الجنَّة تحت أقدام الأمَّهات»، فإنَّها علمتْنا كذلك أنَّ «الوالد أوسط أبواب الجنَّة» فمن شاء حفظ هذا الباب، ومن شاء ضيَّعه!

أسأل الله القدير أن يرحم أبي وأموات المسلمين اجمعين، وأن يجمعنا بأهلينا مع سيِّد النَّبيِّين في مستقر رحمته.


Source link

السابق
حكم التأخر في توزيع التركة.. الإفتاء: من أعظم أسباب دخول الجنة ونيل رضا الله أداء الحقوق
التالي
ارسلها إلى 18 شخصًا حتى لا يتوقف حسابك.. حقيقة رسالة واتساب بعد تحديث الشروط

اترك تعليقاً